فصل: تفسير الآية رقم (16):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (13- 15):

{قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)}
{قَالَ} استئنافٌ كما سلف، والفاء في قوله تعالى: {فاهبط مِنْهَا} لترتيب الأمرِ على ما ظهر من اللعين من مخالفة الأمرِ وتعليلِه بالأباطيل وإصرارِه على ذلك، أي فاهبِطْ من الجنة، والإضمار قبل ذكرِها لشهرة كونِه من سكانها قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في عدْنٍ لا في جنة الخلد، وقيل: من زمرة الملائكةِ المعزّزين فإن الخروجَ من زمرتهم هبوطٌ وأيُّ هبوط، وفي سورة الحجر: {فاخرج مِنْهَا} وأما ما قيل من أن المرادَ الهبوطُ من السماء فيردّه أن وسوستَه لآدمَ عليه السلام كانت بعد هذا الطردِ فلابد أن يُحمل على أحد الوجهين قطعاً، وتكونُ وسوستُه على الوجه الأول بطريق النداءِ من باب الجنة كما رُوي عن الحسن البصري، وقوله تعالى: {فَمَا يَكُونُ لَكَ} أي فمما يصح ولا يستقيم لك ولا يليقُ بشأنك {أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} أي في الجنة أو في زمرة الملائكة. تعليلٌ للأمر بالهبوط فإن عدمَ صحةِ أن يتكبر فيها علةٌ للأمر المذكور، فإنها مكانُ المطيعين الخاشعين ولا دِلالة فيه على جواز التكبُّر في غيرها، وفيه تنبيه على أن التكبرَ لا يليق بأهل الجنةِ وأنه تعالى إنما طرده لتكبُّره لا لمجرد عصيانِه وقوله تعالى: {فاخرج} تأكيدٌ للأمر بالهبوط متفرِّغٌ على علته وقوله تعالى: {إِنَّكَ مِنَ الصاغرين} تعليلٌ للأمر بالخروج مُشعرٌ بأنه لتكبره، أي من الأذلاء وأهلِ الهوانِ على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبُّرك. وعن عمر رضي الله عنه: من تواضَع لله رفع الله حكمتَه وقال: انتعش أنعشك الله، ومن تكبر وعَدا طَوْرَه وهَصَه الله إلى الأرض.
{قَالَ} استئنافٌ كما مر مبنيٌّ على سؤال نشأ مما قبله، كأنه قيل: فماذا قال اللعينُ بعد ما سمع هذا الطردَ المؤكد؟ فقيل: قال: {أَنظِرْنِى} أي أمهلني ولا تُمِتْني {إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي آدمُ وذرّيتُه للجزاء بعد فنائِهم، وهو وقتُ النفخةِ الثانية، وأراد اللعينُ بذلك أن يجد فُسحةً لإغوائهم ويأخُذَ منهم ثأرَه وينجُوَ من الموت لاستحالته بعد البعث {قَالَ} استئنافٌ كما سلف {إِنَّكَ مِنَ المنظرين} ورودُ الجوابِ بالجملة الاسميةِ مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على وجه يُشعر بأن السائلَ تبَعٌ لهم في ذلك صريحٌ في أنه إخبارٌ بالإنظار المقدرِ لهم أزلاً لا إنشاءٌ لإنظار خاصَ به إجابةً لدعائه وأن استنظارَه كان طلباً لتأخير الموتِ إذ به يتحقق كونُه من جملتهم لا لتأخير العقوبةِ كما قيل أي إنك من جملة الذين أخّرتُ آجالَهم أزلاً حسبما تقتضيه الحِكمةُ التكوينيةُ إلى وقت فناءٍ غيرَ ما استثناه الله تعالى من الخلائق وهو النفخةُ الأولى لا إلى وقت البعثِ الذي هو المسؤول، وقد تُرك التوقيتُ للإيجاز ثقةً بما وقع في سورة الحجر وسورة ص كما ترك ذكرُ النداء والفاءُ في الاستنظار والإنظار تعويلاً على ما ذُكر فيهما بقوله عز وجل: {رَبّ فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم} وفي إنظاره ابتلاءٌ للعباد وتعريضٌ للثواب.
إن قلتَ لا ريبَ في أن الكلامَ المحكيَّ له عند صدورِه عن المتكلم حالةٌ مخصوصةٌ تقتضي ورودَه على وجه خاصَ من وجوه النظمِ بحيث لو أخل بشيء من ذلك سقط الكلامُ عن رتبة البلاغةِ البتة، فالكلامُ الواحدُ المحكيُّ على وجوه شتى إن اقتضى الحالُ ورودَه على وجه معينٍ من تلك الوجوهِ الواردةِ عند الحكاية فذلك الوجهُ هو المطابقُ لمقتضى الحالِ والبالغُ إلى رتبة البلاغةِ دون ما عداه من الوجوه، إذا تمهّد هذا فنقولُ: لا يخفى أن استنظارَ اللعينِ إنما صدر عنه مرةً واحدةً لا غيرُ، فمقامُه إن اقتضى إظهارَ الضراعةِ وترتيبَ الاستنظار على ما حاق به من اللعن والطردِ على نهج استدعاءِ الجبْرِ في مقابلة الكسر كما هو المتبادرُ من قوله: رب فأنظرني حسبما حُكي عنه في السورتين، فما حكي هاهنا يكون بمعزل من المطابقة لمقتضى الحال فضلاً عن العروج إلى معارج الإعجازِ، قلنا: مقامُ استنظاره مُقتضٍ لما ذُكر من إظهار الضراعةِ وترتيب الاستنظارِ على الحِرمان المدلولِ عليه بالطرد والرجم، وكذا مقامُ الإنظارِ مقتضٍ لترتيب الإخبارِ بالإنظار على الاستنظار وقد طُبّق الكلامُ عليه في تينك السورتين ووُفّي كلُّ واحد من مقامَي الحكايةِ والمحكيِّ جميعاً حظَّه. وأما هاهنا فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ مجردَ الإخبار بالاستنظار والإنظارِ سيقت الحكايةُ على نهج الإيجاز والاختصارِ من غير تعرّضٍ لبيان كيفيةِ كل واحدٍ منهما عند المخاطبة والحِوار، إن قلت: فإذن لا يكونُ ذلك نقلاً للكلام على ما هو عليه ولا مطابقاً لمقتضى المقامِ قلنا: الذي يجب اعتبارُه في نقل الكلامِ إنما هو أصلُ معناه ونفسُ مدلولِه الذي يفيده، وأما كيفيةُ إفادتِه له فليس مما يجب مراعاتُه عند النقل البتة، بل قد تراعى وقد لا تراعى حسب اقتضاءِ المقامِ، ولا يقدح في أصل الكلامِ تجريدُه عنها بل قد يراعى عند نقلِه كيفياتٍ وخصوصياتٍ لم يُراعِها المتكلمُ أصلاً ولا يُخلُّ ذلك بكون المنقولِ أصلَ المعنى، ألا يُرى أن جميعَ المقالات المنقولةِ في القرآن الكريمِ إنما تحكى بكيفيات واعتباراتٍ لا يُكاد يَقدِر على مراعاتها مَنْ تكلم بها حتماً، وإلا لأمكن صدورُ الكلام المعجِزِ عن البشر فيما إذا كان المحكيُّ كلاماً، وأما عدمُ مطابقتِه لمقتضى الحالِ فمنشؤه الغفلةُ عما يجب توفيرُ مقتضاه من الأحوال، فإن مَلاكَ الأمرِ هو مقامُ الحكايةِ، وأما مقام وقوعِ المحكيِّ فإن كان مقتضاه موافقاً لمقتضى مقامِ الحكايةِ يُوفَّى كلُّ واحدٍ من المقامين حقَّه كما في سورة الحجر وسورة ص، فإن مقامَ الحكايةِ فيهما لمّا كان مقتضياً لبسط الكلامِ وتفصيلِه على الكيفيات التي وقع عليها رُوعيَ حقُّ المقامين معاً، وأما في هذه السورةِ الكريمةِ فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ الإيجازَ رُوعيَ جانبُه.
ألا يُرى أن المخاطبَ المنكِرَ إذا كان ممن لا يفهم إلا أصلَ المعنى وجب على المتكلم أن يجرِّد كلامَه عن التأكيد وسائرِ الخواصِّ والمزايا التي يقتضيها المقامُ ويخاطِبَه بما يناسبه من الوجوه لكنه مع ذلك يجب أن يقصِدَ معنى زائداً يفهمه سامعٌ آخرُ بليغٌ هو تجريدُه عن الخواصِّ رعايةً لمقتضى حالِ المخاطَبِ في الفهم، وبذلك يرتقي كلامُه عن رتبة أصواتِ الحيواناتِ كما حُقِّق في مقامه فإذا وجب مراعاةُ مقامِ الحكايةِ مع إفضائها إلى تجريد الكلامِ عن الخواص والمزايا بالمرة فما ظنُّك بوجوب مراعاتِه مع تحلية الكلام بمزايا أُخَرَ يرتقي بها إلى رتبة الإعجازِ لاسيما إذا وُفّيَ حقَّ مقامِ وقوعِ المحكيِّ في السورتين الكريمتين وكان هذا الإيجازُ مبنياً عليه وثقة به؟

.تفسير الآية رقم (16):

{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)}
{قَالَ} استئنافٌ كأمثاله {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى} الباءُ للقسم كما في قوله تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ} فإن إغواءَه تعالى إياه أثرٌ من آثار قُدرتِه عز وجل وحُكمٌ من أحكام سلطانِه تعالى، فمآلُ الإقسامِ بهما واحدٌ، فلعل اللعينَ أقسم بهما جميعاً فحكى تارةً قسَمَه بأحدهما وأخرى بالآخر، والفاءُ لترتيب مضمونِ الجملةِ على الإنظار، وما مصدريةٌ أي فأقسم بإغوائك إياي {لأقْعُدَنَّ لَهُمْ} أو للسببية على أن الباءَ متعلقةٌ بفعل القسمِ المحذوفِ لا بقوله: {لاقْعُدَنَّ لَهُمْ} كما في الوجه الأول، فإن اللام تصُدّ عن ذلك أي فبسبب إغوائِك إياي لأجلهم أُقسم بعزتك لأقعُدّن لآدمَ وذرِّيتِه ترصّداً بهم كما يقعُد القُطّاع للقطع على السابلة {صراطك المستقيم} الموصِلَ إلى الجنة وهو دينُ الإسلام، فالقعودُ مجازٌ متفرِّعٌ على الكناية، وانتصابُه على الظرفية كما في قوله:
كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ

وقيل: على نزع الجارِّ تقديرُه على صراطك كقولك: ضرب زيد الظهرَ والبطنَ.

.تفسير الآيات (17- 19):

{ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)}
{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ} أي من الجهات الأربعِ التي يُعتاد هجومُ العدوِّ منها مثلُ قصدِه إياهم للتسويل والإضلال من أي وجهٍ يتيسر بإتيان العدوِّ من الجهات الأربعِ ولذلك لم يُذكر الفوقُ والتحتُ. وعن ابن عباس رضي الله عنهما {مِنْ بَيْنِ أيدِيهِمْ} من قِبَل الآخرةِ. و{من خلفهم} من جهة الدنيا، و{عن أيمانِهِم وعن شمائلهم} من جهة حسناتِهم وسيئاتِهم. وقيل: من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدِرون على التحرز منه، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزواولكن لم يفعلوا لعدم تيّقظهم واحتياطِهم ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك، وإنما عُدِّي الفعلُ إلى الأوَّلَيْن بحرف الابتداء لأنه منهما متوجهٌ إليهم وإلى الآخَرَين بحرف المجاوزة فإن الآتيَ منهما كالمنحرف المتجافي عنهم المارِّ على عَرضهم، ونظيرُه جلست عن يمينه {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين} أي مطيعين وإنما قاله ظناً لقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} لما رأى منهم مبدأ الشرِّ متعدداً ومبدأَ الخيرِ واحداً، وقيل: سمعه من الملائكة عليهم السلام.
{قَالَ} استئناف كما سلف مراراً {أَخْرَجَ مِنْهَا} أي من الجنة أو من السماء أو من بينِ الملائكة {مَذْءومًا} أي مذموماً من ذَأَمه إذا ذمّه، وقرئ {مَذوماً} كَمَسول في مسؤل، أو كَمَكول في مكيل، من ذامه يذيمه ذيماً {مَّدْحُورًا} مطروداً {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} اللامُ موطئةٌ للقسم وجوابه {لأمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط، وقرئ {لِمَنْ تبعك} بكسر اللام على أنه خبرُ {لأملأن} على معنى لِمَنْ تبعك هذا الوعيدُ، أو علةٌ لاخرُجْ و{لأملأن} جوابٌ محذوفٌ ومعنى {منكم} منك ومنهم على تغليب المخاطب {وَيَا ءادَمَ} أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة، وتصديرُ الكلامِ بالنداء للتنبيه على الاهتمام بتلقّي المأمورِ به، وتخصيصُ الخطابِ به عليه السلام للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به {اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة} هو من السكَن الذي هو عبارةٌ عن اللَّبْثِ والاستقرارِ والإقامةِ لا من السكون الذي هو ضدُّ الحركة، وأنت ضميرٌ أُكّد به المستكنُّ ليصحَّ العطفُ عليه، والفاءُ في قوله تعالى: {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} لبيان المرادِ مما في سورة البقرة من قوله تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} من أن ذلك كان جمعاً مع الترتيب، وقوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} في معنى منها حيث شئتما، ولم يُذكر هاهنا {رَغَداً} ثقةً بما ذكر هناك، وتوجيهُ الخطابِ إليهما لتعميم التشريفِ والإيذانِ بتساويهما في مباشرة المأمورِ به فإن حوّاءَ أُسوةٌ له عليه السلام في حق الأكلِ بخلاف السكنِ فإنها تابعةٌ له فيه ولتعليق النهي بها صريحاً في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} وقرئ {هذي} وهو الأصلُ لتصغيره على ذَيّا والهاءُ بدلٌ من الياء {فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} إما جزمٌ على العطف أو نصبٌ على الجواب.

.تفسير الآيات (20- 22):

{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)}
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان} أي فعل الوسوسةَ لأجلهما أو تكلم لهما كلاماً خفياً متدارَكاً متكرّراً، وهي في الأصل الصوتُ الخفي كالهيمنة والخشخشة ومنه وسوَسَ الحَلْيُ وقد سبق بيانُ كيفيةِ وسوستِه في سورة البقرة {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} أي ليُظهر لهما واللامُ للعاقبة أو للغرض على أنه أراد بوسوسته أن يسوءَهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبّر عنهما بالسوأة وفيه دليلٌ على أن كشف العورةِ في الخلوة وعند الزوجِ من غير حاجة قبيحٌ مستهجَنٌ في الطباع {مَا وُريَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} ما غُطي وسُتر عنهما من عوراتهما وكانا لا يَرَيانها من أنفسهما ولا أحدُهما من الآخر، وإنما لم تُقلب الواوُ المضمومةُ همزةً في المشورة كما قلبت في أويصِل: تصغير واصل لأن الثانيةَ مدةٌ، وقرئ {سَوَاتِهما} بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على الواو، وبقلبها واواً وإدغام الواو الساكنة فيها وَقَالَْ عطف على وسوس بطريق البيان {مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة} أي عن أكلها {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} أي إلا كراهةَ أن تكونا ملكين {أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين} الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة، وليس فيه دلالةٌ على أفضلية الملائكةِ عليهم السلام لما أن من المعلوم أن الحقائقَ لا تنقلب وإنما كانت رغبتُهما في أن يحصُل لهما أوصافُ الملائكةِ من الكمالات الفطريةِ والاستغناء عن الأطعمة والأشربة وذلك بمعزل من الدِلالة على الأفضلية بالمعنى المتنازَعِ فيه.
{وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين} أي أقسم لهما، وصيغةُ المغالبة للمبالغة، وقيل: أقسما له بالقَبول وقيل: قالا له: أتقسم بالله أنك لمن الناصحين؟ وأقسم لهما فجُعل ذلك مقاسمة {فدلاهما} فنزّلهما على الأكل من الشجرة، وفيه تنبيهٌ على أنه أهبطهما بذلك من درجة عاليةٍ فإن التدليةَ والإدلأَ إرسالُ الشيء من الأعلى إلى الأسفل {بِغُرُورٍ} بما غرّهما به من القسم، فإنهما ظنا أن أحداً لا يُقسِم بالله كاذباً أو ملتبسين الغرور {فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا} أي فلما وجدا طعمَها آخِذَين في الأكل منها أخذْتهما العقوبةُ وشؤمُ المعصية فتهافت عنهما لباسُهما وظهرت لهما عوراتُهما، واختلف في أن الشجرة كانت السنبلةَ أو الكرْمَ أو غيرَهما وأن اللباسَ كان نوراً أو ظفراً {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ} طفِق من أفعال الشروعِ والتلبس كأخذ وجعل وأنشأ وعلِق وهَبْ وانبرى أي أخذا يَرْقعَان ويُلزِقان ورقةً فوق ورقة {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة} قيل: كان ذلك ورقَ التينِ وقرئ {يُخصِفان} من أخصف أي يخصفان أنفسَهما ويُخَصِّفان من التخصيف ويَخِصّفان أصله يختصفان.
{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} مالكُ أمرِهما بطريق العتاب والتوبيخِ {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} وهو تفسيرٌ للنداء فلا محل له من الإعراب أو معمولٌ لقول محذوفٍ أي وقال أو قائلاً: ألم أنهَكُما؟ {عَن تِلْكُمَا الشجرة} ما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد لما أنه إشارةٌ إلى الشجرة التي نُهي عن قُربانها {وَأَقُل لَّكُمَا} عطفٌ على أنهَكما أي ألم أقل لكما: {إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} وهذا عتابٌ وتوبيخٌ على الاغترار بقول العدوِّ كما أن الأولَ عتابٌ على مخالفة النهي، قيل: فيه دليلٌ على أن مطلقَ النهي للتحريم، ولكما متعلقٌ بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف هو حالٌ من عدوٌّ، ولم يُحك هذا القولُ هاهنا، وقد حُكي في سورة طه بقوله تعالى: {إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} الآية. روي أنه تعالى قال لآدمَ: ألم يكنْ فيما منحتُك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى، وعزتك ولكن ما ظننتُ أن أحداً من خلقك يحلِفُ بك كاذباً، قال: فبعزتي لأُهبِطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيشَ إلا كدّاً فأُهبط وعُلّم صنعةَ الحديد وأُمر بالحَرْثِ فحرَثَ وسقَى وحصَد وداس وذرَى وعجَن وخَبَز.

.تفسير الآيات (23- 25):

{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)}
{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} أي ضرّرناها بالمعصية والتعريضِ للإخراج من الجنة {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} ذلك {وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} وهو دليلٌ على أن الصغائرَ يُعاقب عليها إن لم تُغفرْ، وقالت المعتزلةُ: لا يجوز المعاقبةُ عليها مع اجتناب الكبائرِ، ولذلك حمَلوا قولَهما ذلك على عادات المقربين في استعظام الصغيرِ من السيئات واستصغارِ العظيمِ من الحسنات.
{قَالَ} استئناف كما مر مراراً {اهبطوا} خطابٌ لآدمَ وحواءَ وذريتِهما، أو لهما ولإبليسَ، كُرر الأمرُ تبعاً لهما ليعلمَ أنهم قرناءُ أبداً، أو أُخبر عما قال لهم مفرّقاً كما في قوله تعالى: {يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات} ولم يُذكر هاهنا قَبولُ توبتِهما ثقةً بما ذكر في سائر المواضع {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} جملةٌ حالية من فاعل اهبطوا أي مُتعادِين {وَلَكُمْ فِي الارض مُسْتَقَرٌّ} أي استقرارٌ أو موضعُ استقرارٍ {ومتاع} أي تمتعٌ وانتفاع {إلى حِينٍ} هو حينُ انقضاءِ آجالِكم.
{قَالَ} أُعيد الاستئنافُ إما للإيذان بعدم اتصالِ ما بعده بما قبله كما في قوله تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون} إثرَ قوله تعالى: {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون} وقوله تعالى: {قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَىَّ} بعد قوله تعالى: {قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} وإما لإظهار الاعتناءِ بمضمون ما بعده من قوله تعالى: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} أي للجزاءِ كقوله تعالى: {مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى}